هاشم معروف الحسني
27
أصول التشيع
وبذلك استطاع أن ينشر ألويته على الآفاق ويقطع تلك المسافات البعيدة الواسعة في سنوات معدودات وأصبحت الدنيا على اتساعها تضيق عن همته وتعتز بمبادئه ، ولم يكن من همه أن ينشر على العالم نفوذا سياسيا ، ولا أن يضم إلى البقعة التي وجد فيها بقعة أخرى من بقاع الدنيا ، لتكون له دولة ذات حدود واسعة تستمد هيبتها مما تدخره من عتاد ، وما تحشده من كتائب وأجناد ، إنما الذي كان يهدف إليه ويهمه ، هو الإيمان برسالته ، لأنها وحدها السلاح القاطع الذي يستطيع المسلمون بواسطتها بسط سلطانهم على الدنيا الضالة ، لأنها سلاح من عند اللّه سبحانه ، غرس نواتها محمد صلّى اللّه عليه واله وسلّم في إبان دعوته في قلوب حفنة من المؤمنين ، وغذاها بجهاده المتواصل حتى مكنها من نفوسهم على مدى الأعوام ، فلم تهن روحه لقوي متحكم ولم يشتر منهم أمنه وراحته بعطية يلقيها إلى شهواتهم ، بل أذاب من روحه الطاهرة ليهدي العصاة وعرض نفسه لأقسى ما يتصور من الأذى ، ليحرر الإنسان من عبادة الشهوات والأهواء ، ساومه المشركون ليكون له السلطان عليهم ويرجع عن دعوته بعد أن فشلوا في أساليب التعذيب التي لجأوا إليها معه ومع المؤمنين من أتباعه فرجعوا خائبين خاسرين وقال لعمه كلمته الخالدة : واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر . فلم يكن يفكر أن يمتلك الرقاب والبقاع لتصبح تحت سلطانه ، ولا لتهتف له وتصفق بل كان يفكر ويخطط لتصبح العقول والأرواح مملوكة لتعاليمه ، أسيرة لمبادئ القرآن . تلك المبادئ التي أراد اللّه لها البقاء ، وكتب على الإنسان أن يتخذها السبيل إلى معاشه ومعاده ، واحتاط لها مؤسسها الحيطة الكاملة ، التي تساعد على حفظها واتصالها بالقلوب والنفوس ، كي لا تصبح عرضة للأخطار ومسرحا للشهوات والأهواء ، فوضعها بيد أمين لازمه من طفولته فرباه كما يريده لأمته وأمضى معه طوال حياته يستلهم من سيرته وسنته وقرآنه ما لم يتيسر